|
مدينة محردة:
محردة مدينة جميلة تعانق العاصي. إنها مدينة عريقة في القدم موغلة في التاريخ، تتربع على هضبة كلسيه مليئة بالكهوف والمغاور التي تلتقي مع بعضها البعض بسراديب ضيقة، لتشكل مدينة كاملة تحت الأرض صنعها الإنسان وسكنها منذ القديم.
من الاعتقادات السائدة أن محردة كلمة سريانية قد تكون مَعَرْدَه وتعني أرض المغر أو الكهوف حيث أن كلمة( معار) تعني في السريانية (مغارة). وهناك اقتراحات أخرى لمعنى اسم محردة منها: (محار،ده) وتعني الأرض أو المزرعة المفلوحة، أوالممسوحة أو المهندسة، إذ أن كلمة محار في السريانية تعني هندس أو مسح الأرض. راجع:أسمر، جوزيف، اللآلىء السريانية، قاموس سرياني عربي، مؤسسة التنضيد التصويري (دبس) ، الطبعة الأولى ،1991 ص51. وقد يكون معناها المهرة أو الفوارس من ( مهار) السريانية وهي تعني مهر أو فرس. المرجع السابق، نفس الصفحة. وقد تكون محردة لفظة فارسية وتعني مدينة الشمس، إذ أن كلمة (مهار) في اللغة الفارسية تعني الشمس، و(دَ) تعني مزرعة أو قرية أو مدينة.
وقد تقلبت حالة هذه المدينة على مدى العهود والعصور، ومرت بها أدوار ازدهار وانحطاط ومصائب وكوارث. وكانت كغيرها من مدن هذه المنطقة رهينة الظروف والحكام.
في عهد السلوقين كانت محردة مدينة عامرة، وكانت الضاحية الأهم والأقرب لمدينة لاريسا (شيزر) التاريخية الهامة. وأكملت ازدهارها في عهد الرومان ، ومع أنه لا توجد وثائق تتكلم عن محردة قبل القرن السادس عشر ميلادي، إلاّ أن أوابدها التاريخية وكنائسها ولوحاتها الفسيفسائية الجميلة المنتشرة في أراضيها والتي تعود للعهد البيزنطي تحكي قصة تاريخها وحضارتها وازدهارها.
في أواخر الحكم البيزنطي أطاحت بحضارتها حروب الفرس، والزلازل المدمرة، وعندما أقبل الإسلام إلى هذه الديار كانت في حالة من الضعف وكان يخيم عليها البؤس والخراب وأصبحت هذه المدينة أطلالاً دارسة، وغدت الحضارة الجميلة ركاماً ومع أنه حصلت بعض الترميمات، وعاد جزء من تراثها يظهر في بعض فترات استقرارها مع السكان الذين بقوا فيها، إلا أنه كان يخيم عليها الحصار فكان وضعها يزداد تردياً وسوءاً.
في العصور الوسطى وفي القرن السادس عشر أصبحت محردة مركزاً لأبرشية عامرة تدعى افخاييته. وقد ذكرها البطريرك مكاريوس ابن الزعيم في كتابه "تاريخ البطاركة" عن لسان أحد كهنة حماه واسمه جرجس الحموي أن محردة آنذاك كانت عامرة وآهلة بالسكان إذ أن عدد سكانها في أواسط القرن السادس عشر كان أربعة آلاف نسمة، وكان يستقر فيها مطران أبرشية افخاييته يدير شعبه. ويذكر أيضاً، أنه عندما تشرطن عليها المطران غريغوريوس الحموي شرطن عليها خمسة وثلاثين كاهناً وأربعة عشر شماساً.
ويذكر المطران ناوفيطس ادلبي في كتابه مطارنة حلب أن محردة كانت في القرون الوسطى معقلاً للروم الأرثوذكس، ودعامة كبيرة للكرسي الأنطاكي من الوجهة المالية خاصة.
ومن المعقول جداً أن يكون أهالي مدينة محردة قد أعادوا بناء كنيستهم القديمة (كنيسة سيدة النياح) في تلك الفترة من الزمن، إذ أصبح في محردة تجمع كبير للمؤمنين، وأصبحت مقراً لمطران أبرشية افخاييته. لكن هذه الفترة البسيطة من الازدهار التي عاشتها محردة في تلك العصور كانت نسبية، إذ أنها ذاقت من ويلات الحكم التركي ما ذاقته كل سورية.
وفي رسائل مطارنة حماه هناك فيض من الفتن التي راح ضحيتها محرداويون كثيرون، وكانت الدولة التركية تغذي تلك الفتن، وتشجع المارقين ليحرقوا الزرع والبيادر، ولا تعاقب القتلة حتى صار أهالي محردة كما تذكر إحدى الوثائق في البطريركية "لا يأتمنون لا على دمهم ولا عرضهم ولا على مالهم" وبسبب هذا الجور الشديد والفقر وما إلى ذلك من عوامل دفعت شباب محردة إلى الهجرة وخاصة إلى أمريكا الجنوبية (الأرجنتين والأرغواي والبرغواي ) وقد أثبت المحرداويون وجودهم في بلاد الاغتراب ورزقوا في تلك البلاد، وبقوا على تواصل مع ذويهم فساهموا في بناء مشفى في محردة وفي شراء أراضيهم التي كانوا يعملون فيها من ملاكها الأقطاعين، وهذا أدى إلى إنعاش محردة فعمل أهلها بالزراعة، وتحسنت أحوالهم، واشتغلوا بالتجارة وخاصة تجارة الأقطان ومن ثم تطور نشاطهم الاقتصادي ليشمل الصناعة وخاصة حلج القطن، والخراطة والحدادة وصيانة الآليات الثقيلة وما إلى ذلك، وهذا ترافق مع نهضة فكرية وتعليمية في محردة وكل هذا أدى إلى رفع شأنها فذاع صيتها في كل سورية، خاصة في الستينات والسبعينات فكانت محردة عروس الريف السوري بلا منازع.
|